صفحة جديدة 6
وأما القصاص في الجروح
- فيقتص في كل جرح ينتهي إلى
عظم؛ لإمكان الاستيفاء فيه بلا حيف ولا زيادة، وذلك كالشجة الموضحة في الرأس
والوجه، وكجرح العضد والساق والفخذ والقدم؛
لقوله تعالى:
﴿وَالْجُرُوحَ
قِصَاصٌ﴾.
- وأما ما لا ينتهي إلى عظم،
فلا يجوز القصاص فيه من الجراحات، سواء كانت شجة أو غيرها؛ كالجائفة، وهي التي تصل
إلى باطن جوف؛ كبطن وصدر ونحر؛ لعدم الأمن من الحيف والزيادة.
روى ابن ماجه مرفوعا:
«لا
قود في المأمومة ولا في الجائفة ولا في المنقلة» والمأمومة: هي الشجة التي تصل إلى جلدة الدماغ، والجائفة: هي التي
تصل إلى باطن جوف، والمنقلة: هي التي تشم الرأس وتنقل العظام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله: القصاص في الجراح ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة، فإذا
شجه؛ فله شجه كذلك، فإذا لم يمكن؛ مثل أن يكسر عظما باطنا، أو شجه دون الموضحة؛ فلا
يشرع القصاص، بل تجب الدية.
وأما القصاص في الضربة بيده أو
بعصا أو سوط ونحو ذلك:
قال الشيخ: فقالت طائفة: لا قصاص فيه، بل فيه التعزير، والمأثور عند الخلفاء وغيرهم من
الصحابة والتابعين: أن القصاص مشروع في ذلك، وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء، وبذلك
جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصواب.
قال عمر:
«إني ما أرسل عمالي ليضربوا أبشاركم، فوالذي نفسي بيده؛ من فعل؛
لأقصنه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه» رواه أحمد.
ومعناه أن يضرب الوالي رعيته
ضربا غير جائز، فأما الضرب المشروع؛ فلا قصاص فيه بالإجماع. انتهى كلام الشيخ.
وقال ابن القيم رحمه الله: قالت الشافعية والحنفية والمالكية ومتأخرو الأصحاب: لا قصاص في
اللطمة والضربة، وحكى بعضهم الإجماع، وخرجوا عن محض القياس وموجب النصوص وإجماع
الصحابة،
وقال تعالى:
﴿وَإِنْ
عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾..
فالواجب للملطوم أن يفعل
بالجاني عليه كما فعل به؛ فلطمة بلطمة، وضربة بضربة، في محلها، بالآلة التي لطمه
بها، أو مثلها أقرب إلى المماثلة المأمور بها حسا وشرعا من تعزير بغير جنس اعتدائه
وصفته، وهذا هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه، ومحض القياس، ونصوص أحمد.
انتهى.
باب في القصاص من الجماعة للواحد
إذا اشترك جماعة في قتل شخص
عمدا عدوانا اقتص له منهم جميعا، وقتلوا به على الصحيح من قولي العلماء رحمهم الله،
لعموم قوله تعالى:
﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾..
إلى قوله تعالى:
﴿وَلَكُمْ
فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾..
ولإجماع الصحابة على ذلك؛ فقد
روى سعيد بن المسيب:
«أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل سبعة من
أهل صنعاء قتلوا رجلا واحدا، وقال رضي الله عنه: لو تمالأ عليه أهل صنعاء؛ لقتلتهم
به جميعا»..
وثبت عن آخرين من الصحابة أيضا
قتل الجماعة بالواحد، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعا.
قال الإمام العلامة ابن القيم
رحمه الله: اتفق الصحابة وعامة الفقهاء
على قتل الجميع بالواحد، وإن كان أصل القصاص يمنع ذلك؛ لئلا يكون عدم القصاص ذريعة
إلى التعاون على سفك الدماء. انتهى
وقال ابن رشد: فإن مفهومه (أي: القصاص): أن القتل إنما شرع لينفي القتل كما نبه
عليه القرآن، فلو لم تقتل الجماعة بالواحد؛ لتذرع الناس إلى القتل؛ بأن يتعمدوا قتل
الواحد بالجماعة، ولأن التشفي والزجر لا يحصل إلا بقتل الكل. انتهى.
ويشترط لقتل الجماعة بالواحد أن
يصلح فعل كل واحد منهم للقتل لو انفرد، وذلك بأن يباشر الجميع القتل، ويكون فعل كل
واحد منهم قاتلا لو انفرد.
فإن لم يصح فعل كل واحد منهم
للقتل لو انفرد، وكانوا قد تمالئوا وتواطئوا على قتل المجني عليه؛ وجب القصاص منهم
جميعا؛ لأن غير المباشر صار ردئا للمباشر.
ومن أكره شخصا على قتل آخر،
فقتله وجب القصاص على المكره والمكره إذا توفرت شروطه؛ لأن القاتل قصد استبقاء نفسه
بقتل غيره، والمكره تسبب إلى القتل بما يفضي إليه غالبا.
ومن أمر صغيرا أو مجنونا بقتل
شخص، فقتله وجب القصاص على الآمر وحده؛ لأن المأمور آلة للآمر، ولا يمكن إيجاب
القصاص عليه، فوجب أن يكون على المتسبب به.
وكذا إذا كان المأمور مكلفا
(أي: بالغا عاقلا)، لكنه يجهل تحريم القتل؛ كمن نشأ بغير بلاد الإسلام، فيجب القصاص
على الآمر؛ لتعذره في حق المأمور؛ لجهله، فيكون على المتسبب به.
وأما إن كان المأمور بالغا
عاقلا لا يجهل التحريم؛ فإنه يجب القصاص عليه؛ لمباشرته القتل بغير حق، وقد قال
النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق» سواء كان الآمر سلطانا أو سيدا أو غير ذلك، ويكون على الآمر في هذه
الحالة التعزير بما يراه الإمام، لأنه ارتكب معصية، وليرتدع عن ذلك.
وإذا اشترك اثنان في قتل شخص
عمدا عدوانا، وكان أحدهما لا تتوفر فيه شروط وجوب القصاص، والآخر تتوفر فيه، وجب
القصاص على من تتوفر فيه الشروط منهما، لأنه شارك في القتل العمد العدوان، وامتنع
القصاص في حق شريكه لمعنى فيه، لا لقصور في سبب القصاص، فيجب على من لا مانع به
منه، ومن أمسك إنسانا لآخر حتى قتله قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت.
وكما يقتص للواحد من الجماعة في
النفس؛ فإنه يقتص له منهم في الطرف والجراح، فإذا قطع جماعة طرفا أو جرحوا جرحا
يوجب القود، ولم تتميز أفعال بعضهم عن بعض، كما لو وضعوا حديدة على يد شخص،
وتحاملوا عليها حتى انقطعت اليد، فيجب قطع أيديهم جميعا؛
لما روي عن علي رضي الله عنه:
«أنه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة، فقطع يده، ثم جاءا بآخر، وقالا:
هذا السارق، وأخطأنا في الأول. فرد شهادتهما على الثاني، وغرمهما دية الأول، وقال:
لو علمت أنكما تعهدتما؛ لقطعتكما»
رواه البخاري وغيره، فدل على أن القصاص على كل منهما لو تعمدا، وقياسا على قتل
الجماعة بالواحد.
وسراية الجناية على النفس وما
دونها لها حكم الجناية، لأنها أثرها، وأثر المضمون مضمون، فلو قطع إصبعا، فتآكلت
الإصبع الأخرى أو اليد وسقطت من مفصله؛ وجب القود في اليد، وإن سرت الجناية إلى
النفس؛ فمات المجني عليه وجب القصاص.
ولا يجوز أن يقتص في عضو أو جرح
قبل برئه؛ لحديث جابر:
«أن رجلا جرح رجلا، فأراد أن
يستقيد، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح» رواه الدارقطني وغيره،
وذلك لمصلحة المجني عليه؛ إذ قد
تسري الجناية إلى طرف آخر أو إلى النفس؛ فلا بد أن يعرف مدى نهاية الجناية، فلو
اقتص قبل البرء، ثم سرت الجناية بعد ذلك فلا شيء له؛ لأنه استعجل فبطل حقه،
ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده:
«أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
فقال: أقدني. فقال: حتى تبرأ. ثم جاء إليه، فقال: أقدني. فأقاده. ثم جاء إليه،
فقال: يا رسول الله! قد عرجت. قال: نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك، ثم نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ منه صاحبه» رواه أحمد والدارقطني.
وبهذا تعلم أيها المسلم محاسن
الشريعة، واشتمالها على العدالة التامة والرحمة العامة، وصدق الله العظيم:
﴿وَتَمَّتْ
كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ﴾..
فتبا لقوم يستبدلون بها غيرها
من أحكام الطاغوت والقوانين الوضعية الناقصة الظالمة،
﴿بِئْسَ
لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾
والحمد لله رب العالمين.