19-الفصل الثالث: موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة ومنهج أهل السنة والجماعة في الّرّدّ عليهم إلى التبرك بالأماكن والأثار والأشخاص أحياءاََ وأمواتاََ.
767 زائر
08-12-2015
HTML Editor - Full Version
شرح كتاب التوحيد لفضيلة الشيخ صالح الفوزان - شرح فضيلة الشيخ د.وليد بن إدريس المنيسي من الفصل الثالث: موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة ومنهج أهل السنة والجماعة في الّرّدّ عليهم إلى التبرك بالأماكن والأثار والأشخاص أحياءاََ وأمواتاََ.
الفصل الثالث: موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة، ومنهج أهل السنة والجماعة في الرّدّ عليهم
1 ـ موقف أهل السُّنَّة والجماعة من المبتدعة
ما زال أهل السنة والجماعة يردون على المبتدعة، ويُنكرون عليهم بدعهم، ويمنعونهم من مزاولتها، وإليك نماذج من ذلك:
( أ ) عن أم الدرداء قالت: (دخل عليَّ أبو الدرداء مُغضَبًا، فقُلتُ له: ما لكَ؟ فقال: والله ما أعرفُ فيهم شيئًا من أمر محمدٍ إلا أنهم يصلون جميعًا) [رواه البخاري].
( ب ) عن عمر بن يحيى قال: (سمعتُ أبي يُحَدِّثُ عن أبيه قال: كنا نجلسُ على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرجَ عليكُم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خَرجَ، فلما خرجَ قُمنا إليه جميعًا، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرتُهُ، ولم أرَ - والحمد لله - إلا خيرًا، قال: وما هو؟ قال: إن عِشْتَ فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى فيقولُ: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، فيقول: سبّحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلتَ لهم؟ فقال: ما قلتُ لهم شيئًا انتظارَ رأيك، أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتَهُم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنتَ لهم أن لا يَشيع من حسناتهم شيء؟
ثم مضى ومضينا معه؛ حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، قال: فعدا سيئاتكم، فأنا ضامنٌ أن لا يضيعَ من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده: إنكم لعلى ملةٍ هي أهدى من ملة محمد، أو مُفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير، قال: وكم مريد للخير لن يُصيبه! إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايمُ الله لا أدري لعل أكثرهم مِنكُم. ثم تولَّى عنهم. فقالَ عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يومَ النهروان مع الخوارج) [رواه الدارمي].
(جـ) جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس - رحمه الله - فقال: من أين أُحْرِمُ؟ فقال: من الميقات الذي وَقَّتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحرم منه، فقال الرجل: فإن أحرمتُ من أبعد منه، فقال مالك: لا أرى ذلك، فقالَ: ما تكرهُ من ذلك، قال: أكره عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في ازدياد الخير؟ فقالَ مالك: فإنّ الله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور/63].
وأي فتنة أعظم من أنك خُصِّصْتَ بفضل لم يُختَصّ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم [ذكره أبو شامة في كتاب: الباعث على إنكار البدع والحوادث نقلًا عن أبي بكر الخلال ص14]؟!
هذا نموذج، ولا زال العلماءُ يُنكرونَ على المبتدعة في كل عصر، والحمد لله.
2 ـ منهج أهل السنة والجماعة في الرد على أهل البدع
منهجهم في ذلك مبني على الكتاب والسنة، وهو المنهج المقنع المفحم، حيث يرودون شبه المبتدعة وينقضونها، ويستدلون بالكتاب والسنة على وجوب التمسك بالسنن، والنهي عن البدع والمحدثات، وقد ألَّفوا المؤلفات الكثيرة في ذلك، وردُّوا في كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة، في مقالاتهم المبتدعة في أصول الإيمان والعقيدة، وألفوا كتبًا خاصّة في ذلك، كما ألَّفَ الإمام أحمد كتاب الرد على الجهمية، والف غيره من الأئمة في ذلك كعثمان بن سعيد الدارمي، وكما في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وغيرهم، من الرد على تلك الفرق، وعلى القبورية والصوفية، وأما الكتب الخاصة في الرد على أهل البدع، فهي كثيرة، منها على سبيل المثال من الكتب القديمة:
1- كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي.
2- كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد استغرق الرد على المبتدعة جزءًا كبيرًا منه.
3- كتاب إنكار الحوادث والبدع لابن وضَّاح.
4- كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي.
5- كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة.
ومن الكتب العصرية:
1- كتاب الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ.
2- كتاب السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات للشيخ محمد بن أحمد الشقيري الحوامدي.
3- رسالة التحذير من البدع للشيخ عبد العزيز بن باز.
ولا يزالُ علماء المسلمين - والحمد لله - يُنكرون البدعَ ويردون على المبتدعة من خلال الصحف والمجلات والإذاعات وخطب الجُمع والندوات والمحاضرات، مما له كبير الأثر في توعية المسلمين، والقضاء على البدع، وقمع المبتدعين.
الفصل الرابع: في بيان نماذج من البدع المعاصرة
وهي:
1- الاحتفال بالمولد النبوي.
2- التبرك بالأماكن والآثار والأموات ونحو ذلك.
3- البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله.
البدع المعاصرة كثيرة؛ بحكم تأخر الزمن، وقلة العلم، وكثرة الدعاة إلى البدع والمخالفات، وسريان التشبه بالكفار في عاداتهم وطقوسهم؛ مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (لتتبعُنَّ سُنَنَ من كان قبلكم) [رواه الترمذي وصححه].
1 ـ الاحتفال بمناسبة المولد النبوي
وهو تشبه بالنصارى في عمل ما يسمَّى بالاحتفال بمولد المسيح، فيحتفل جهلةُ المسلمين، أو العلماء المضلون في ربيع الأول أو في غيره من كل سنة بمناسبة مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. فمنهم من يقيم هذا الاحتفال في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت، أو الأمكنة المعدة لذلك، ويَحضُرُ جموعٌ كثيرة من دعماء الناس وعوامهم، يعملون ذلك تشبهًا بالنصارى في ابتداعهم الاحتفال بمولد المسيح، عليه السلام، والغالبُ أن هذا الاحتفال علاوة على كونه بدعة، وتشبهًا بالنصارى، لا يخلو من وجود الشركيات والمنكرات، كإنشاد القصائد التي فيها الغلو في حق الرسول صلى الله عليه وسلم إلى درجة دعائه من دون الله، والاستغاثة به، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغُلوِّ في مدحه فقال: (لا تُطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم؛ إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) [رواه الشيخان]. وقد يصب هذا الاحتفال اختلاط بني الرجال والنساء وفساد الأخلاق وظهور المسكرات وغير ذلك.
الإطراءُ معناه: الغُلُوّ في المدح، وربما يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحضُرُ احتفالاتهم، ومن المنكرات التي تصاب هذه الاحتفالات: الأناشيد الجماعية المنغمة وضربُ الطبول، وغيرُ ذلك من عمل الأذكار الصوفية المبتدعة، وقد يكون فيه اختلاط بين الرجال والنساء، مما يُسبّب الفتنة، ويجرّ إلى الوقوع في الفواحش، وحتى لو خلال هذا الاحتفال من هذه المحاذير، واقتصر على الاجتماع وتناول الطعام، وإظهار الفرح - كما يقولون -؛ فإنه بدعة محدثة (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وأيضًا هو وسيلة على أن يتطور، ويحصل فيه ما يحصل في الاحتفالات الأخرى من المنكرات.
وقلنا: إنه بدعة؛ لأنه لا أصل له في الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح والقرون المفضلة، وإنما حدث متأخرًا بعد القرن الرابع الهجري، أحدثه الفاطميون الشيعة، قال الإمام أبو حفص تاج الدين الفاكهاني - رحمه الله -: (أمَّا بعدُ: فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول، ويسمونه المولد، هل له أصل في الدين، وقصدوا الجواب عن ذلك مبيّنًا، والإيضاح عنه معينًا، فقلت - وبالله التوفيق -:
لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة، ولا يُنقلُ عملُه عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكَّالون) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا... من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا، مع اختلاف الناس في مولده، فإنَّ هذا لم يفعله السلف، ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا؛ لكان السلفُ - رضي الله عنهم - أحقَّ به منَّا، فإنهم كانوا اشد محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كان محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته، واتباع أمره وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بُعثَ به، والجهادُ على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان) ... انتهى ببعض اختصار.
وقد أُلِّفَ في إنكار هذه البدعة كتب ورسائل قديمة وحديثة، وهو علاوة على كونه بدعة وتشبهًا، فإنه يجرُّ إلى إقامة موالد أخرى كموالد الأولياء والمشائخ والزعماء؛ فيفتح أبواب شرٍّ كثيرة.